النصيحة الذهبية
الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الأنبياءوالمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
لتمام الفائدة أنقل لكم رسالة أخرى للإمام الذهبي وهي نصيحة أرسلها لشيخه الإمام ابن تيمية ،وهي النصيحة الذهبية لابن تيمية كما تسمى ،وطالب العلم يستفيد منها أشياء منها مايلي:
أولاً: أن الإنسان مهما بلغ فلا يأمن على نفسه دخائل الشيطان .
ثانياً: أن العالم يحتاج إلى ناصح له من أقرب الناس إليه ،وأقرب الناس إلى الشيخ طلابه،فإذا كان الطالب تقياً ورعاً فإنه ينصح لشيخه إذا رآه حاد عن الجادة ،وهذا في غير المسائل الاجتهادية لأن مسائل الاجتهاد التي لم تخالف نصاً صريحاً ولا قياساً جلياً ،فإنها تنكر على الشيخ بحسب المنكر وبمنتهى الأدب .
ثالثاً: أن الإمام الذهبي ألف هذه الرسالة وغيرها نصحاً للإمام ابن تيمية ـ رحمهما الله تعالى ـ لما بدر منه من أخطاء ومخالفة للإجماع في مسائل عقدية وفقهية ،وهو قد أشار إلي مخالفته له في بعض أخطاءه عند ثناءه على شيخه في ترجمته في السير وفي تاريخ الإسلام .
رابعاً ثبوت الرسالة :شكك بعض طلبة العلم في صحة نسبة النصيحة الذهبية للإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ وأجلب بكل ما استطاع للتشكيك في ذلك ،وماهو إلا دفع للحق بالصدر ،فإن هذه الرسالة ثابتة عن الإمام الذهبي ،ولكن العواطف تغلب على بعض الناس فلا يضع الأمور في نصابها الصحيح ،وإليكم اعتراضاته والرد عليه بميزان العلم والعدل بعيداً عن العواطف والتعصبات .
فأقول ـ والله حسبي ونعم الوكيل ـ بداية لابد من ذكر سند الرسالة حتى لا يبقى شك لذي عقل :
فهذه الرسالة اشتهرت باسم " النصيحة الذهبية لابن تيمية " ألفها الحافظ أبي عبدالله الذهبي (ت 748) رحمه الله تعالى ، وطبعت قبل سبعين سنة تقريباً.وحاول بعض المتعصبين للإمام تقي الدين بن تيمية رحمه الله الطعن فيها بكل ما يستطيعون ولم أجد مبرراً لذلك إلا الغلو الذي لا ينفع صاحبه ،بل إن منهم من زاد الأمر سوءً فنسب الرسالة إلى غير صاحبها بتخرصات عجيبة غريبة لو طاوعه أهل العصر لكان باباً من الشر عظيم ولنسب إلى الناس مالم يقولوه ،ونزع من أناس ما سطروه ،فأي ظلم فوق هذا .
وبالمقابل فإن من المتعصبين ضد ابن تيمية من مشايخ العصر من جعلها ورقة لسقوطه النهائي .
وكلا المنهجين فيها شطط وغلط وبعد عن الحق ،فالرسالة ثابتة بلا ريب ،ولا تقدح في إمامة الشيخ تقي الدين بن تيمية وخصوصاً عند الحنابلة ،بل وغيرهم من علماء الأمة ،ولكن فيها إثبات لكل عاقل أن الإمام ابن تيمية أكثر من التشنيع على مخالفيه بحق ،وبغير حق ،ووقع في أخطاء عقدية وفرعية وفي ذلك قال الإمام الذهبي وهو يمدح شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى كما في ذيل تاريخ الإسلام ما نصه ((مع أني مخالف له في مسائل أصلية وفرعية ،وقد أبديت آنفاً أن خطأه فيها مغفور ..))أ ـ هـ [1]فكانت هذه الرسالة في نشرها إقاد للفكر المعتدل ليثبت على الجادة ولا يدعي المعصومية لأحد من المشايخ لا بلسان المقال ،ولا بلسان الحال .
أما الرسالة المخطوطة فقد ذكر الدكتور بشار عواد معروف البغدادي : أن النسخة التي هي بخط الحافظ ابن قاضي شهبة (ت851 هـ) في دار الكتب المصرية ورقمها (18823 ب) وقال إن منها نسخة بدار الكتب الظاهرية، ورقمها (1347). وقد ذكر ابن قاضي شهبة في صدر الرسالة: أنه نقلها من خط البرهان بن جماعة، المنقول من خط الحافظ أبي سعيد صلاح الدين بن العلائي، المكتوب من خط مرسلها الشيخ شمس الدين الذهبي، وهذا سند عظيم حافل بالعلماء الأثبات الثقات .فأثبتها عدد من أهل العلم ولم يُعرِّجوا على أقوال المشككين بها لضعف التشكيك و سقوطه . فهي كسائر كتب أهل العلم محفوظة في مكتبات المسلمين ومستند ذلك الحس فمن بحث في المكتبة الظاهرية أو المصرية وجدها حسب الأرقام السابقة .
وممن أثبت هذه الرسالة :الدكتور المحقق الشيخ صلاح الدين المنجد الذي ألحق «النصيحة» بكتابه: (شيخ الإسلام ابن تيمية سيرته وأخباره عند المؤرخين) ثم قال معلقاً عليها: «شك بعضهم في نسبة هذه النصيحة للذهبي، ولا شك عندنا أنها له، فقد نقلت مخطوطاتها من خط الذهبي، ولم ينكرها أحد من العلماء الذين نقلوها كتقي الدين بن قاضي شهبة وغيره. ثم إن هذا هو أسلوب الذهبي عندما يُهاجم، ويبدو أنه كتبها في آخر عمره. ولم يثن أحد على الشيخ كثناء الذهبي عليه، لكنه انتقده بعد ذلك في بعض الأمور حباً له، وإشفاقاً عليه» .أنتهى كلامه .
وممن أثبتها : الدكتور المحقق بشار عواد معروف ،الذي قال في كتابه: (الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام) وهو يتحدث عن مناقب الإمام السخاوي وذكره لبعض آثار الذهبي: [... وهو الوحيد الذي أشار إلى رسالة الذهبي إلى ابن تيمية، مما وثق نسبتها إليه لا سيما وقد شك فيها غير واحد].أ ـ هـ ثم أوردها في عداد آثاره، وقال: «وذهب بعضهم إلى القول بأنها مزورة، ولا عبرة بذلك» وكرر ذلك في مقدمته على (سير أعلام النبلاء) قائلاً: «.. وأرسل إليه نصيحته الذهبية التي يلومه وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها..».
وكذلك قطع بنسبتها عدد من العلماء الذين تجردوا عن اتباع الهوى .
خامساً: ذكر اعتراضات بعض المشايخ وطلبة العلم :
حاول عدد من محبي الإمام ابن تيمية رحمه الله التشكيك في صحة نسبة هذه الرسالة للإمام الذهبي ،ولم أرى فيما ذكروه ما يعول عليه وفق مقياس البحث العلمي المنصف ،ولذا فرأيت لزاماً ذكر محاولاتهم المستميتة في التشكيك في الرسالة مع البيان التام بإذن الله تعالى وإليكم ما ذكروه مع تفنيده:
دعاوى المشككين وتفنيدها :
===================================
قالوا :أولاً: أن الذهبي ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من كتاب يثني فيها جميعاً عليه ثناء عظيماً لو جاء من غيره لوصف بالغلو، مثل قوله: "علم الزهاد نادرة العصر.. كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد والأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد، أثنى عليه الموافق والمخالف" (تذكرة الحفاظ 4/1497).
الجواب: كثير من علماء الأمة الذين كتبوا في السير والتراجم أثنوا على الإمام ابن تيمية رحمه الله ،كالصفدي في أعيان العصر واليافعي في مرآة الزمان ، وابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة ،وقد أثنوا عليه بفائق التعظيم والذكر الحسن ومع ذلك ففي نفس الأمر صرحوا بأن له زلات في الاعتقاد وفي الفقه ولم يمنعهم ذكر محاسنه عن ذكر أخطاءه وعلى نفس الطريق كان الإمام الذهبي رحمه الله تعالى حيث أثنى على الإمام ابن تيمية في عدد من كتبه ككتاب السير ،وزغل العلم وغيرها إلا أنه أشار إلى أن له أخطاء أصلية وفرعية أي عقدية وفقهية لا يوافقه عليها ،بل أثنى عليه في رسالة زغل العلم وحذر مما آل إليه أمره فقال :ما رمقت عيني أوسع علما ولا أقوى ذكاءً من رجل يقالله ابن تيمية ،مع الزهد في المأكل والملبس والنساء ،ومع القيام في الحق والجهاد بكلممكن وقد تعبت في وزنه وفتشه حتى مللت في سنين متطاولة فما وجدت قد أخره بين أهلمصر والشام ومقتته نفوسهم ،وازدروا به، وكذبوه ،وكفروه إلا الكبر والعجب، وفرط الغرامفي رياسة المشيخة. والازدراء بالكبار فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور نسأل اللهتعالى المسامحة. أنتهى كلام الإمام الذهبي ويقول أيضاً: ونحمد الله في الوقت أناس يفهمون هذا الشأن ويعتنون بالأثر ،كالمزي ،وابن تيمية ،والبرزالي، وابن سيد الناس وقطب الدين الحلبي ،وتقي الدين السبكي .أ نتهى .فأنت تراه وقد أثنى عليه ثم حذر من أغلاط وطباع رآها فيه في موطن واحد ،إذن فلا شك ولا ريب في أنه أثنى عليه وبالغ في ذلك ،ولكن لا يعني أنه كان غاش له ولم يناصحه ،فأهل الحق نصحة للناس ،وأهل النفاق غششة ،ولا تعارض بين مدح الإنسان بما هو فيه من خير ،وعلم ،وصلاح ،والتحذير مما أنحرف فيه عن جادة الصواب .وتصور المعارضة بين الثناء على شخص في مواطن ومناصحته والتحذير من غلطه في مواطن جهل كبير بميزان الاعتدال في سير الرجال . ولذا فالأصل هو أن ابن تيمية إمام من الأئمة وعالم من العلماء ولكنه بشر يصيبه ما يصيب البشر فإذا أخطأ فلابد من بيان خطأه وهذا ما فعله الإمام الذهبي .
وهو من النصح الواجب شرعاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الدين النصيحة )) وهو من نصرة المسلم لأخيه المسلم ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ))فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما ، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال (( تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره )) وهذا ما فعله الذهبي رحمه الله تعالى فقد نصره مظلوماً ونصره ظالماً.
ثانياً: قالوا أن الذهبي صاحب أسلوب معروف، لايعرف له طعن في أحد فكيف يكتب بهذا الأسلوب الذي ملئ بالحمير! والألفاظ التي طالما نزه الذهبي قلمه عنها مثل البليد والكذاب، فهذا الأسلوب لم يعهد للإمام الذهبي ولو مع أناس أوغلوا في البدعة والإلحاد أو الفسوق والعصيان.
الجواب : أقول ليس بصحيح أن الإمام الذهبي لا يأت بألفاظ التقريع لمن يرى أنه واقع في باب ضلالة وخصوصاً كالفلسفة الكفرية ونحوها ،فكيف بمن بلعها كما يقول ،ولعله يشير إلى مسألة القول بتسلسل الحوادث وقدم العالم بالنوع ونحوها من المسائل التي وقع فيها الشيخ ابن تيمية رحمه الله ،أو مسائل أخرى لم تطبع إلى الآن .
ويقول أيضاً: إلى أين تذهبين يا عجوز السوء؟ إلى القبور؟؟ فتأمل أسلوبه في التقريع والحط فإنك تجد أنه لكاتب واحد .
ثالثاً: قالوا :على فرض أن الرسالة صحيحة، فإن آخر الآراء من الذهبي هو الثناء المطلق على شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر إلى ترجمته في كتاب طبقات الحفاظ وهو من آخر ما ألف.
رابعاًً: سند هذه الرسالة يعود إلى ابن قاضي شهبة، وهو من أعداء شيخ الإسلام، فكيف يجعل الخصم حكماً؟
الجواب: هذا نقد باطل من وجوه :
الوجه الأول: أن الحافظ ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى ناقل وليس منشأ للرسالة وقد نقلها عن الحفاظ قبله بالسند المتصل ،ولم يشكك في صدق ابن قاضي شهبة أحد من الحفاظ والنقاد .
خامساً: لو صحت النسبة إلى الذهبي فالرسالة ليس عليها اسم ولا نعرف لمن كتبها الذهبي، غير أننا نجزم أنها إن كانت له –وهو بعيد- فيستحيل أن تكون من طالب لأستاذه، وخاصة إذا كان الطالب هو الإمام الذهبي صاحب الأدب والخلق المعروف.
الجواب عن هذه الشبهة: أن الذي ذكر أنها من الحافظ الذهبي إلى شيخه هم أئمة حفاظ من أهل نقل السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،ولم يتهموا في دينهم و عدلهم ولله الحمد،وأولهم ذكر لذلك تلميذه الحافظ العلائي رحمه الله ،فلا شك في نسبتها للذهبي والتشكيك في ذلك بهذه الشبهة ضعيف جداً .
أما استحالة كونها من تلميذ لأستاذه ؟فأقول يا أخي الكريم إذا كان الطالب يرد على شيخه في رسالة خاصة كما هو حال الذهبي ،وفي مسائل طارت شرقاً وغرباً وسببت الحيرة لبعض التلاميذ كأقوال الفلاسفة التي نشرها الشيخ ابن تيمية رحمه الله فلا بد لطالب هو عالم كالإمام الذهبي من النصيحة بالأسلوب الأمثل ،ولعل الأمثل في نظره كان هو التغليظ حتى ينفره وينبهه مما وقع فيه ،ولو كان رضا ابن تيمية عند الذهبي مهماً فرضى الله أهم ،ثم من أين للكاتب أن الذهبي لم يناصحه أكثر من مرة حتى وصل إلى التغليظ كما في هذه الرسالة؟! .فالذهبي ليس مجرد تلميذ بل هو عالم سيسأل عن علمه والدين النصيحة ،وأحق الناس بها أحب الناس وأقربهم إلى الناصح.
وليس الأدب في السكوت عن المنكر بل الأدب هو الإنكار ولو كان على الشيخ أو الحبيب المقرب.
فالتلاميذ للعالم كالحاشية للسلطان فإن نصحوا وبينوا فهم أهل خير وصلاح ،وإن داهنوا وتزلفوا فهم السم الزعاف.
سادساً: من جهة الأسلوب زعم بعضهم أن أسلوبها ليس هو أسلوب الذهبي ؟.
والجواب : أن هذا زعم بعيد بل هو عين أسلوب الذهبي في كتاباته وإليك المقارنات بين النصيحة وبعض كتابات الذهبي في كتب أخرى فهو عين أسلوب الذهبي من جهة السبك والتركيب والسجع ونحوه وتأمل وقارن بعقل لا بعاطفة.
قال الذهبي ـ في كتاب تشبيه الخسيس بأهل الخميس ـ : فبئس المربي أنت!! ولكن كذا تربيت! يا أخي ما أقواك إن خالفت هواك! وما أغواك إن وافقت هواك! ولا يعني التوبيخ سواك، ما أسقمك وأنت لا تشرب دواك!ما أكرمك إن كانت الجنان مأواك! ما أفظع ديناً صاغ شرعهُ العامة والرهبان! ما أرقع جاهلًا يدرا عن داره السحر بصلبان القطران! ما أشدَّ خذلان من مكَّن من القمار الصبيان! ما أشنع رائحة اللاذن والأظفار وحصا اللبان! إلى أين تذهبين يا عجوز السوء؟ إلى القبور؟؟إلى كم تضرب نواقيسُ النُحاس، ويتلى عليها كلمات الباطل والفجور؟ذلك وَمن يعظمُ حُرُمات الخميس الحقير لا الكبير فإنها من أعظم الشُّرور. أنتهى
فتأمل ثم قارن ذلك بما جاء في النصيحة الذهبية حيث يقول الذهبي: واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر، وخشية بتذكر، وصمت بتفكر، واهًا لمجلس يُذكرُ فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، لا عند ذكر الصالحين يُذكرون بالازدراء واللعنة.أنتهى.
وتأمل قوله في زغل العلم :بالله خلونا!فقد بقينا ضحكة لأولي المعقولات يطنزون! بنا هؤلاء هم أهل الحديث؟!!
وقارن ذلك بقوله في النصيحة: بالله خلُّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسًا من الضلال . أنتهى
ومن جهة الغلظة فتأمل أسلوبه في الإنكار :يقول في رسالة زغل العلم
والمحدثون فغالبهم لا يفقهون، ولاهمة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به، بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة.إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا يتأدبون بآداب الحديث ولا يستفيقون من سكرة السماع،الآن يسمع الجزء ونفسه تحدثه متى يرويه أبعد الخمسين سنة،ويحك ما أطول أملك وأسوأ عملك .
ويقول أيضاً:والحكمة الفلسفية الإلهية ما ينظر فيها من يرجي فلاحه ،ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه ،فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق ،ولكن ضلال من لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة شر ممن يدري ،واغوثاه بالله إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا ولحقتهم كسفة ،فما الظن بالمردود عليهم ؟!وما دواء هذه العلوم وعلمائها ،والعاملين بها علماً وعقداً ،إلا الحريق ،والإعدام من الوجود ،إذ الدين ما زال كاملاً حتى عربت هذه الكتب ونظر فيها المسلمون ،فلو أعدمت لكان فتحاً مبيناً .
وفي أسلوب ذم النفس وازدرائها يقول رحمه الله كما في زغل العلم :يا هذا لا تكن محروما ًمثلي فأنا نحس أبغض المناحيس.
ويقول في النصيحة الذهبية : الحمد لله على ذلتي يا رب أقل عثرتي ....
ولاشك عند كل عاقل أن الأسلوب واحد لمن أنصف من نفسه .
سابعاًً: بعض المتسرعين رمى بها محمد بن علي بن السراج .وهذه فرية لم أرى مثلها وباب للشر عظيم ، ومرتع للإفك جسيم فما أهون مراقبة الله في صدور هؤلاء؟وسأذكر شبهاته التي أعتمد عليها في هذا الإفك :فقد قال مانصه :
1ـ يحتمل أن تكون من وضع أحد أعداء ابن تيمية ـ وما أكثرهم ـ وأن واضعها قلد خط الذهبي تقليداً محكماً ثم جعلها حيث يقع نظر العلائي عليها.
الجواب: أقول ما أعجب هذا الوهم والجهل الذي لو استجر الأمة إليه لشككنا في كثير من كتب العلماء بهذه الاحتمالات ولقلنا لعل..ولعل ولعل.!!وشر البلية ما يضحك.!
2ـ ويحتمل أن الذي زورها قلد خط العلائي، وأوقف البرهان بن جماعة عليها.
الجواب: مثل سابقه فتأمل وكأنك تقرأ في أحداث جهاز الموساد لا في تحقيق علمي.!
3ـ ويحتمل أن الخط المزور هو خط ابن جماعة، وأن الواهم هو ابن قاضي شهبة.
الجواب:أقول ما شاء الله تبارك الله ما أعظم هذا الاكتشاف وليس هو بأفضع من نسبة الرسالة إلى الشيخ محمد بن السراج بفلم كوميدي عجيب لا ينطلي إلا على البلهاء لا على طلبة للعلم.وقد حبك هذا الفيلم الكاتب محمد القونوي وإليكم الأسرار التي تخرص بسببها الكاتب بنسبة الكتاب إلى محمد بن السراج فقال هذا الرجل هداه الله :
( لعله ـ أي ابن السراج ـ كتب (رسالة ذهبية إلى ابن تيمية) على أن مراده من لفظ (الذهبية) الذهب المعروف، أي أنها في قيمة هذا المعدن الثمين فلما وقعت هذه الرسالة إلى الحافظ العلائي، حسب أن نسبة الذهب فيها إلى شيخه الحافظ الذهبي، وأداه المتبادر إلى الذهن، من هذه اللفظة إلى الذهول عن أن الخط ليس لشيخه، فاستنسخ منها لنفسه ثم تابعه من نسخها عنهُ.(
الجواب على هذه التخرصات:أقول :تخرص الكاتب بعدة تكهنات :
أولها : أن الرسالة ليست الذهبية نسبة للذهبي المؤلف لها بل نسبة للذهب.!!وأقول لقد فهم الكاتب الذكي ما لم يفهمه علماء الأمة من مئات السنين بطريقة التخمين الذي قابل جزم الفحول من الحفاظ الذين نقلوها بنسبتها إليه فأسأل الله أن يهديه وينير عقله من غفلة الأوهام .
الثاني: قال الكاتب محمد القونوي: (ويمكن أن يكون الذهبي قد نسخها حين رآها بخط ابن السَّرَّاج، لمقصد عنده، كما يفعل المؤرخ المجمّع لمادته العلمية على أن يقول فيها رأيه بعد، ثم لم يتيسر له ذلك، وبقيت بخطه حتى عثر عليها العلائي.(
الجواب: وهذا تخرص أخر وتكهن جديد كسابقه وقد فهم منه الكاتب ما لم يفهمه الحافظ العلائي تلميذ الحافظ الذهبي . مع التنبه إلى اعترافه صراحة بكتابة الذهبي لها ، وإنما هو يتخيل أن الذهبي نسخها بخطه لنقدها ثم تركها، وليت شعري ما بال الذهبي لم يكتب لنا اسم هذا الناصح المجهول ولم يترك الناقد في هذه الحيرة؟.!!ولمشكك خبيث أن يقول : فلعل أكثر كتب المسلمين هكذا نسخوها للنقد والجمع ولم يتسنى لهم ذكر صاحبها ،ولا تفنيد ما فيها .
فالله المستعان على ما تصفون من تكهنات ومجازفات بلا خطم ولا أزمة .
قال الكاتب: وعلى هذا فما كُتِبَ بأول الرسالة من قبل أحد النساخ ـ وأظنه الحافظ العلائي ـ من قوله: «رسالة نصيحة من الذهبي لابن تيمية عفا الله عنهما» هو من اجتهاده وفهمه، إذ رأى في صدر الرسالة ما رأى.
الجواب: وأقول ولعلك أسرفت في قرآة قصص المؤمرات السياسية ،أو كتب المخابرات العالمية حتى وصلت إلى هذه
الا ستنتاجات المبالغ فيها إلى حد السرف ـ غفر الله لك ـ .
أوردها سعد وسعد مشتمل : ماهكذا تورد يا سعد الإبل
وبعد هذا فإني أجيب بجواب علمي يزيل الشبهة بإذن الله :
أما كيف نعرف أن هذه الرسالة من خط ابن قاضي شهبة ؟ إذا علمنا أن ابن قاضي شهبة صرح بذلك خطياً و هناك عدة كتب بخط ابن قاضي شهبة وقد قارن ذلك علماء كبار من الأشاعرة والحنفية والسلفية فوجدوا أنها بخطه بلا ريب ومنهم الدكتور المنجد والدكتور بشار عواد وكلاهما من السلفية . وعلمنا تصريح العلماء بأنها بخط الذهبي ومنهم تلميذه المقرب إليه وهو الحافظ العلائي فلا مجال للتشكيك .
فإن قال قائل هذا الطريق بالوجادة ؟فجواب ذلك أن طريق الوجادة معتبر عند أهل العلم وهو الذي لايتجه هذه الازمان غيره وأذكرالقارىء الكريم بكلام لابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال ابن القيم في أعلام الموقعين:
العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك الفائدة التاسعة والستون : يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه [ ص: 204 ] إذا عرف أنه خطه أو أعلمه به من يسكن إلى قوله ويجوز له قبول قول الرسول إن هذا خطه وإن كان عبدا أو امرأة أو صبيا أو فاسقاً , كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتماداً على القرائن والعرف , وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط , أو خان أو نحوه فيدخله وينتفع به , وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أن له على فلان كذا وكذا , فيحلف على الاستحقاق , وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنه أبانها فلها أن تتزوج بناء على الخط , وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه , وإن لم يشهد شاهدان , وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به , ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله , هذا عمل الأمة قديما وحديثا من عهد نبينا صلى الله عليه وسلم وإلى الآن , وإن أنكره من أنكره .أنتهى كلام ابن القيم.
وقد بينت سابقاً تيقن كونها بخط الذهبي . فقد نقلها الحافظ العلائي وصرح بانها لشيخه الذهبي وبأنها مرسلة لابن تيمية ،وإذا كان من شرط الواجد أن يكون ثقة فالحافظ العلائي ثقة وإن كان من الشروط معاصرة صاحب الرسالة فالعلائي تلميذ من أخص تلاميذ صاحب الرسالةفتحققت الشروط بلا ريب .
ـ واعلم أنه ذهب جمع عظيم من السلف إلى جواز الرواية وجادة ، وحدثوا بهذا الطريق ، منهم الحسن البصري ، وعامر الشعبي ، وعطاء بن أبي رباح ، وأبو الزبير المكي ، وأبو سفيان طلحة بن نافع ، وقتادة بن دعامة السدوسي ، والحكم بن عتيبة ، والليث بن سعد ، وغيرهم ." .
وقد عقد الخطيب البغدادي رحمه الله باباً بعنوان" ذكر بعض أخبار من كان من المتقدمين يروي عن الصحف وجادة ما ليس بسماع له ولا إجازة .
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى "أما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز, وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه ,وقطع بعض المحقيقين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة وهذا الصحيح الذي لايتجه هذه الازمان غيره أنتهى .
قال السيوطي"قال ابن الصلاح: فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها أنتهى .
ثامناً : مسألة ذكر السخاوي للنصيحة الذهبية :
قال السخاوي :وقد رأيت له- أي للحافظ للذهبي- عقيدة مجيدة ورسالة كتبهالابن تيمية هي لدفع نسبته لمزيد تعصبه مفيدة. أنتهى وقد ادعى بعض الكتبة أن الحافظ السخاوي يقصد رسالة زغلم العلم !!
وأقول أن هذا بعيد لأمرين :
الأمر الأول : أن السخاوي نقل عن زغل العلم وصرح بنقله منه ،ثم تكلم بعد ذلك عن رسالة الذهبي في مناصحة ابن تيمية .
الأمر الثاني: أن رسالة زغل العلم رسالة عامة فيما يعاب في العلم وليست رسالة موجهة لابن تيمية بخصوصه .
بخلاف الرسالة الذهبية فهي رسالة موجهة لشيخه خاصة وهذا معلوم بأدنى تأمل .وبذلك نعلم أن السخاوي ذكر رسالتين رسالة لابن تيمية خاصة غرض الذهبي فيها المناصحة . ورسالة عامة لأهل العلم وهي رسالة زغل العلم ولم تكن موجهة لابن تيمة خاصة .
تنبيه: لا معنى لقول بعض الكتبة : أن العلماء لم يذكروها لأنه مردود بكلام السخاوي وذكره لها ،ولا يشترط لقبول الخبر تواتره وإنما يكفي نقله عن آحاد الأمة الثقات .
كما أنه مردود بتصريح العلائي وغيره بها كما ذكرت سابقاً.
تحامل القونوي على الشيخ ابن السراج وإقحامه في الرسالة :
بعد أن أنتهى القونوي ـ غفر الله له ـ من المسرحية التشكيكية السابقة ولج مولجاً آخر حاول فيه أن ينسب الرسالة لأي عالم من مخالفي الإمام ابن تيمية ؛فما كان منه إلا أن رمى بها الشيخ محمد بن السراج الرفاعي ،وفي الحقيقة أن الأمر فظيع جداً ،فلم أرى أبعد من هذا الخيال المسرحي ـ أي عند طالب علم ـ واعذروني فإن الإنسان من لحم ودم وله عقل أكرمه الله به ،ويؤسفني أن أرى استخفاف بعض الناس بعقول طلبة العلم إلى هذه الدرجة، وكأن الذي يقرأ لهم غبي أو أحمق حتى تنطلي عليه تلك الظنون والترخصات ،وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الظن أكذب الحديث)).
وإليكم قرائن استند عليها الكاتب لرمي الشيخ محمد بن السراج بهذه الرسالة ليصل إلى أن الإمام ابن تيمية لم يغلط ،ولم يخطأ ،ولم يناصحه تلميذه المشفق عليه ،وأن من رد عليه فهو حاسد أو حاقد أو مبتدع ،ولتعرف يا طالب الحق إلى أين وصل حال الكاتب مع خطوات الشيطان ،ولم ينتهي إلا بعين الظلم هداه الله ، فقال ما نصه ـ ليستدل به على ما يريد ـ :(وتأمل معي هذا:
1ـ صداقة ابن السَّرَّاج القديمة مع مخالفته العميقة لأبي العباس بن تيمية في العقيدة والمنهج... إلخ.
الجواب: أقول : ليست هذه قرينة للظن فضلاً عن القطع أو حتى غلبة الظن بنزع كتاب من إمام ونسبته إلى إمام أخر وإلا فكم من عالم له صديق قد عاداه ،ولا يعني ذلك نزع الكتب ممن ردوا عليه ونُسبت إليهم صراحة ثم رمي الآخرين بها.
2ـ قال الكاتب: شخصية ابن السَّرَّاج المتعصبة للرفاعيّة، الراغبة في منازلة ابن تيمية والغلبة عليه، أو كفّه عن الصوفية والفقراء.
الجواب : أكثر العلماء في عصر ابن تيمية ردوا عليه وبينوا له ونازلوه ولا يعني ذلك اتهامهم في نياتهم ،فكيف إذا اجتمع إثم اتهامهم في نياتهم وتسجيل أعمال غيرهم عليهم بمحض الظنون والتخرصات ،ثم سرقت جهد إمام كالذهبي ونسبته للشيخ محمد بن السراج الرفاعي فهل بعد هذا من تعدي وتجني ؟.!
3ـ مشابهة معاني «النصيحة» لمعاني كلماته التي نقلتها لك.
الجواب: أقول أولاً: ليست معاني النصيحة بأشبه بكلام ابن السراج من كلام الذهبي بل هي ألصق بطريقة الإمام الذهبي وأسلوبه وعرضه ولذا قال الشيخ الدكتور المحقق صلاح الدين المنجد : ثم إن هذا هو أسلوب الذهبي عندما يُهاجم، ويبدو أنه كتبها في آخر عمره. ولم يثن أحد على الشيخ كثناء الذهبي عليه، لكنه انتقده بعد ذلك في بعض الأمور حباً له، وإشفاقاً عليه». أنتهى كلام الدكتورصلاح الدين المنجد وفقه الله . وقد نقلت فيما سبق مقارنات جلية تبين أن النصيحة الذهبية مطابقة لأسلوب الذهبي من جميع الجهات .
ثانياً: أن نسبة الكتاب إلى الإمام الذهبي نسبة صحيحة بأدلة واضحة ،أقل ما فيها غلبة الظن فكيف تعارض باستنتاجات توهمية ،وأراء تعسفية فنترك كلام الحفاظ الثقات لنتعلق بأوهام وخزعبلات .مع أن القرائن مؤكدة على أن الرسالة للذهبي من جهة الأسلوب ،والقرب من شيخه حيث يقول في النصيحة : فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحبُّ الواد، فكيف يكون حالك عند أعدائك.أنتهى ،بخلاف حال ابن السراج فتأمل .
قال الكاتب: 4ـ وأخيراً تصريحه بكثرة إرساله الرسائل والمسائل العلمية إليه.
الجواب: وهذا من القرائن على أن الذهبي هو المرسل لابن تيمية وأنه لم يغلظ في الأسلوب إلا بعد عدة رسائل ليرجع الشيخ عن أخطاءه وكان مما أرسل إليه الرسالة الذهبية .
وأقول أيضاً لا أدري كيف استساغ القونوي نزع الرسالة من الذهبي ثم يجعلها لابن السراج تحديداً دون كل من ناصحوا الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ فما بقي إلا أن الأمر كله تخرصات غريبة لا مبرر لها ،وهي تدحض نفسها بنفسها عند من له أدنى مسكة عقل .
نقد حواشي القونوي على رسالة الإمام الذهبي:
أنتقد محمد القونوي ـ هداه الله ـ كلام صاحب الرسالة وأتى بتعليقات على كثير من كلماتها القليلة وأغرب ما رأيته قوله :تعليقاً على قول الإمام الذهبي : (الحمد لله على ذلتي)
فقال القونوي في الحاشية ما نصه:(لايقول إمام كالذهبي هذه الكلمة وقد سمع ووعى قول الله تعالى :{ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه )) أما الصوفي ابن السراج ،المتأثر بكلام الملامية فإنها كلمة تعبر عن بعض مذهبه) .أنتهى كلام القونوي بحروفه .
الجواب: أقول : لا أدري هل هذا الرجل ـ هداه الله ـ لا يقرأ القرآن ،أم يقرأه بلا تدبر ،أم أن التعصب أعماه إلى هذه الدرجة ألم يقرأ قول الله تعالى {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }المائدة : 54 فالإمام الذهبي رحمه الله تعالى قد سمع ووعى كتاب الله وليس الكلام للملامية بل هو كلام الله تعالى كما في الآية السابقة لكن الشيطان أعمى عينيك وبصيرتك يا أخي حتى تجرأت على التنظير والاستدلال وتحريف المعاني الشرعية الواضحة التي يعرفها صغار طلبة العلم قبل غيرهم فالمؤمن ذليل لله تعالى ذلة مطلقة ،وذليل لأخيه ذلة الرحمة كما قال تعالى {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}
قال الذهبي:واأسفاه على السنة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى ،وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال، وأخ مؤنس
تعليق القونوي:( قال هذه كلمات من أمضَّه البعد عن دمشق ـ بلده ـ وعاش أكثر من أربعين سنة نائياً عنها، وتسامع بهُلك أمثاله في دمشق، ومدن الشام وغيرها، من صوفية وقلندرية ذكرهم في (التشويق) و(التفاح)، وإلا فهذا التحسُّر لا يصدر من إمام في السنة، كالذهبي يعيش في بلد فيه ابن تيمية والمزي وابن القيم وأمثالهم.)
الجواب:أما اتهامه لابن السراج فهو محض ظنون قد سبق بيانها ،وموعدهم عند الله عزوجل.
وأما قوله: وإلا فهذا التحسُّر لا يصدر من إمام في السنة، كالذهبي يعيش في بلد فيه ابن تيمية والمزي وابن القيم وأمثالهم.
فأقول :أولاً: أن الإمام الذهبي قد رأى وعايش مالم ترى وتأمل في كلامه السابق في رسالة زغل العلم وقارن : حيث قال الذهبي لطالب الحديث :ويحك ما أطول أملك وأسوأ عملك.معذور سفيان الثوري إذ يقول فيما رواه أحمد بن يوسف التغلبي ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد قال قال سفيان الثوري رحمه الله: لو كان الحديث خيرا لذهب كما ذهب الخير.صدق والله وأي خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه! وأنت لا تفليه ولا تبحث عن ناقليه ولا تدين الله به أما اليوم في زماننا فما يفيد المحدث الطلب والسماع مقصود الحديث من التدين به بل فائدة السماع ليروي فهذا والله لغير الله. خطابي معك يا محدث لا مع من يسمع ولا يعقل ولا يحافظ على الصلوات ولا يجتنب الفواحش ولا قرش الحشائش ولا يحسن أن يصدق فيها.فيا هذا لا تكن محروماًمثلي فأنا نحس أبغض المناحيس !!!أنتهى كلامه .
وتأمل في هذا النقل:فقد جاء في كتاب كشف الكربة لابن رجب (ص8) ما نصه:ومن كلام أحمد بن عاصم الأنطاكي - وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني - يقول : إني أدركت من الأزمنة زماناً عاد فيه الإسلام غريباً كما بدأ ، وعاد وصفُ الحق فيه غريباً كما بدأ ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتوناً بحب الدنيا ، يُحب التعظيم والرئاسة ، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلاً في عبادته مخدوعاً صريعاً غدره إبليس ، وقد صعد به إلى أعلى درجة من العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها ؟ وسائر ذلك من الرعاع ، همج عوج وذئاب مختلسة ، وسباع ضارية وثعالب ضوار ، هذا وصف عيون أهل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة . خرجه أبو نعيم في " الحلية " .
فهذا وصف أهل زمانه فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله ؟. أنتهى كلام ابن رجب.
فهذا هو حال العلماء في ذكر غربة الزمان .
ثانياً: أن ذم المؤمن لنفسه وتحقيرها هو ديدن المؤمن المعاتب لنفسه على أخطاءها وتفريطها وإليك بعض النقول في ذلك: قال خالد بن معدان : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أحقر حاقر.
وقال يونس بن عبيد : إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ، ما أعلم أن في نفسي منها واحدة .
وقال بكر بن عبد الله المزني : لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غُفر لهم ، لولا أنني كنت فيهم .
قال الإمام الذهبي: لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"،
فقال القونوي:هذا ما يراه غلاة الصوفية والأشاعرة في جهاد شيخ الإسلام ابن تيمية ودعوته الإصلاحية يرون علماً جماً، وتحقيقاً نادراً، وعبقرية فيتهمونه بمدح نفسه، ويرونه محذراً من بدع المبتدعة، وخطأ العلماء فيعدونه متتبعاً لعورات الناس، وإنما هي النصيحة للمسلمين. ثم إن إماماً للجرح والتعديل كالذهبي لا يفهم فهم ابن السَّرَّاج من هذا الحديث الذي ساقه.
الجواب: أقول أولاً: الكلام له سياق وسباق وليس الذهبي مما ينتقد بهذا النقد في علم الجرح والتعديل وإن كان له أخطاء فقد بينها العلماء ،لكنك تبتر الكلام يا أخي فكلام الإمام الذهبي هذا تمامه بسياقه وسباقه حيث قال: (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتَبًّا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"، بلى أعرفُ إنك تقول لي لتنصُرَ نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو جهاد، بلى والله عرفوا خيرًا مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئًا كثيرًا مما لا يعنيهم و: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).أنتهى فكلام الذهبي عن الجور والتطاول لا عن الجرح والتعديل الواجب شرعاً وهو في نصيحته يناصح إماماً قد زاد عن حد الجرح الشرعي إلى ظلم وبغي لا يسلم منه البشر عادة ،فهو ينتقد أمراً شاهده وعايشه ،وأنت تتكلم عن جزء مما عرفت في بعض كتب وضعت أمام عينيك .وكم من كتب لابن تيمية مطبوعة لم تطلع عليها وكتب مخطوطة لم ترى النور ،وكتب مفقودة فأي معرفة تدعي؟!
ثانياً: قارن بين كلامه هذا وقوله في زغل العلم وهو يتكلم عن شيخه ابن تيمية فقال ما نصه:وقد تعبت في وزنه وفتشه حتى مللت في سنين متطاولة فما وجدت قد أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم ،وازدروا به، وكذبوه ،وكفروه إلا الكبر والعجب، وفرط الغرام في رياسة المشيخة. والازدراء بالكبار فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور نسأل الله تعالى المسامحة. أنتهى.فتأمل.
قال الإمام الذهبي: يا رجل بالله عليك كفَّ عنَّا فإنك مِحجاجٌ عليم اللسان لا تقرّ ولا تنام
فعلق القونوي قائلاً: هنا طلبٌ من ابن السَّرَّاج إلى صديق قديم هو ابن تيمية، يناشده الكف عن جهاد الرفاعية البطائحية، الذين ينتسب إليهم ابن السَّرَّاج، وعن بقية الفقراء القلندرية. ولا مناسبة قطعاً بين هذا الكلام وبين الذهبي، فأي شيء كان ابن تيمية يفعله لم يرق الذهبي حتى يناشده الكف عنه؟ ثم إن الذهبي لا يسفل مهما خالف ابن تيمية فيصفه بأنه عليم اللسان
الجواب: أما مسرحية ابن السراج فقد سبق بيان زيفها . وقد أكثرت على ابن السراج هذا وقد قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} سورة المائدة- 8. قال الإمام ابن كثير: "(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) الآية، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد، في كل وقت، وفي كل حال". أنتهى .
وقال تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) سورة النحل- 90. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب".
أما قوله: (ولا مناسبة قطعاً بين هذا الكلام وبين الذهبي، فأي شيء كان ابن تيمية يفعله لم يرق الذهبي حتى يناشده الكف عنه؟ ثم إن الذهبي لا يسفل مهما خالف ابن تيمية فيصفه بأنه عليم اللسان(.
أقول: ليس في كلام الذهبي سفالة ولله الحمد حتى تقول أن لا يسفل فيصفه بعليم اللسان ولكن للذهبي مآخذ أخذها على ابن تيمية أشار إليها في تاريخ الإسلام حيث قال: له أخطاء أصلية وفرعية. وفصل فيها في زغل العلم وفي النصيحة الذهبية .فهل تقول أنه من سفالات الذهبي ؟!!
قال الذهبي : وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة
فقال القونوي :قد تعجب لإيراده اليونسية، هنا وهم من أصحابه القلندرية، ولكن يذهب عنك ذلك العجب إن عرفت أنه يرى أن هناك دخلاء على الفقراء، ومتشبهين بهم، وقد صرح بوجودهم في اليونسية، وأنهم «كالجن والشياطين، فقد يخلط التبن والتبر، ويشترك الباع والشبر، ويتشبه الجني بالملك، ومن تعدى بغير عدة فقد هلك» انظر (التفاح) الورقة 102.
الجواب: بل أعجب كيف تحاول التعامي عن صريح القرائن والأدلة الدالة على أن الرسالة للذهبي كما هو ثابت ، لا للشيخ ابن السراج كما زعمت .والذهبي لم يأت فيها بجديد بل هو يشنع على شيخه لكثرت جداله لليونسية ،وللفلاسفة حتى وقع في أحد أمرين : إما بلع فلسفة الفلاسفة وهذا واضح في بعض كتاباته ،أو الظلم في الرد على مخالفه وإن كان مخالفه مبتدعاً فإن الرد على الباطل يكون بشرط العلم مع العدل.وهو مشابه تماماً لقوله في رسالة زغل العلم :فقد كان ـ أي ابن تيمية ـ قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوراً مضيئاً على محياه سيما السلفثم صار مظلماً مكسوفاً عليه قتمة عند خلائق من الناس....إلخ ما قال فانظره في الرسالة الأولى.
وهو كقوله أيضاً في تلك الرسالة : وعلى كل تقدير احذر المراء في البحث وإن كنت محقاً،ولا تنازع في مسألة لا تعتقدها ،واحذر التكبر والعجب بعملك.أنتهى فتأمل ودع المجازفات .
قال الإمام الذهبي: بالله خلُّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسًا من الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفّر فهو أكفر من فرعون
فقال القونوي معلقاً: أنى يكون الذهبي قائل هذا؟ وهو الذي ألَّف كتاب (تشبيه الخسيس بأهل الخميس) وحذَّر من بدع النصارى فيه.
الجواب: أقول إن الإمام الذهبي إنما أنكر التكاسل عن ذكر وبيان البدع الكفرية مقارنة بكثرة التشاغل عن مادونها من البدع العملية كبدعة الخميس التي كانوا يتشبهون بالنصارى فيها بالفرحة والاحتفال فيخبزون الخبز ويبخرون البخور لمريم رضي الله عنها وغير ذلك من خرافاتهم فرد الإمام الذهبي ولم يسكت ولكنها لا تقارن بالبدع الكفرية التي كان يراها في زمنه .فليس الإنكار على من ينكر بدعة الخميس وإنما الإنكار على من يتشاغل بها وبكثرة ذكرها عن ما هو أعظم منها فإن لكل شيء قدرا،ولكن قد يقول قائل إن ابن تيمية رد على أهل البدع من الرافضة ونحوهم ولم يتشاغل عن ذلك .
فأقول : لعل الكلام في هذا الفقرة خاصة موجه لأصحابه دونه .
أو أن ذلك التشاغل كان في بعض الفترات الزمنية من حياة أصحاب ابن تيمية لا في كلها مع تشاغله بالتنبيش في دقائق الفلسفة ولذا قال الذهبي :وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسًا من الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد.ُثم إن كثرة الجدل بعد البيان يعد من المراء المذموم ولذا قال رحمه الله (وعلى كل تقدير احذر المراء في البحث وإن كنت محقاً ) أنتهى .فإعطاء الأمر أكبر من قدره شطط وغلو ولذا فلن أزيد أكثر مما قلت وأترككم مع نصيحة الإمام الذهبي رحمه الله تعالى بعد أن بينت الحق بما استطعت وأستغفر الله من كل ذنب .وأسأل الله أن يهدي كل ضال وأن يغفر لنا جميعاً ،وأنصح طلبة العلم بالهدوء وترك المجازفات وأنصحهم ونفسي بطلب العلم الذي يقود للتقوى لا علم يقود إلى الفجور في الخصومة ،ولا للكذب في النقول والتزوير ولا طلب الدنيا الرخصية بسفاسف الحظوظ من مدح وإطراء وشهرة، ومال . والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
إليكم نص النصيحة الذهبية
وجد العلماء بخط الإمام ابن قاضي شهبة المتوفى سنة (851) في دار الكتب المصرية مخطوط برقم (18823ب)
ومنها نسخة بدار الكتب الظاهرية ورقمها (1347) ما نصه :رسالة كتب بها الشيخ شمس الدين أبو عبدالله الذهبي إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية ،كتبها من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة رحمه الله ،وكتبها هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد العلائي ،وهو كتبها من خط مرسلها الشيخ شمس الدين ـ الذهبي ـ .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ذلتي[2]، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ عليَّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى ،وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال، وأخ مؤنس.[3][4]
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتَبًّا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟[5]إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"، بلى أعرفُ إنك تقول لي لتنصُرَ نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو جهاد، بلى والله عرفوا خيرًا مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئًا كثيرًا مما لا يعنيهم و: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".[6]
يا رجل بالله عليك كفَّ عنَّا فإنك مِحجاجٌ عليم اللسان لا تقرّ ولا تنام، إياكم والأغلوطات في الدين، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"، وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبشُ دقائق الكفريات الفلسفية لنردَّ عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعتَ سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يُدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن.[7]واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر، وخشية بتذكر، وصمت بتفكر، واهًا لمجلس يُذكرُ فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، لا عند ذكر الصالحين يُذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخَيتَهما، بالله خلُّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسًا من الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفّر فهو أكفر من فرعون، وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكوك إن سَلِمَ لكَ إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد.
يا خيبة من اتبعك فإنه مُعَرَّضٌ للزندقة والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليًّا شهوانيًّا لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيدٌ مربوط خفيف العقل، أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل.
يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالأبرار، إلى كم تعظمها وتصغر العباد، إلى متى تُخاللها وتمقت الزهاد، إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين، يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تُغيرُ عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار.
أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب، أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل. بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تُصغي إلى وعظي بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول لكَ: والبتة سكتت.[8]
فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحبُّ الواد،[9]فكيف يكون حالك عند أعدائك، وأعداؤك والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر.
قد رضيتُ منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرًّا :"رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي"، فإني كثير العيوب غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، ووافضيحتي من علاّم الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. انتهى
الخاتمة
أسأل الله عزوجل أن ينفع بهذه الرسائل وأن يجعل فيها شفاء لمن أراد الدواء ، وأن يغفر للإمام تقي الدين بن تيمية والإمام الذهبي والأخ القونوي وسائر من طلب العلم لوجه الله ،وأن يجعلنا من أهل العلم العاملين به في أنفسهم ،وممن يبذلوه لغيرهم وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق الذي يرضيه ،وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين وصل وبارك على سيدنا محمد أشرف الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه.
وكتبه : غيث بن عبدالله الغالبي
[1]ذيل تاريخ الإسلام ص329 وقوله مسائل أصلية أي عقدية ،وفرعية أي عملية .
[2]أي ذلته على المؤمنين ،ولا شك أن المسلمين رحماء بينهم ،وقد سبق بيان خطأ القونوي في فهم هذه العبارة .
[3] هذا كلام كل مؤمن يتشوق إلى مجالس الطاعة والإيمان ويبغض مجالس الفلسفة والجدل ،وكم يقول بهذا القول من رأى منتديات زماننا وقلة خشية طلبة العلم فضلاً عن غيرهم .
[4] قارن هذا الكلام بكلام من نفس المشكاة قاله الذهبي في الرسالة السا بقة حيث قال:إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا يتأدبون بآداب الحديث ولا يستفيقون من سكرة السماع،الآن يسمع الجزء ونفسه تحدثه متى يرويه أبعد الخمسين سنة،ويحك ما أطول أملك وأسوأ عملك.إلى أن قال : أما اليوم في زماننا فما يفيد المحدث الطلب والسماع مقصود الحديث من التدين به بل فائدة السماع ليروي فهذا والله لغير الله.
[5]قارن بين هذا الأسلوب وبين قوله في رسالة زغل العلم :(اقرأ يا رجل واعفنا من التغليظ والترقيق وفرط الإمالة والمدود ووقوف حمزة فإلى كم هذا) تجد أنهما بأسلوب كاتب واحد لا يرتاب في ذلك عاقل.
[6] الذهبي هنا يبين الفرق بين علم يقرب إلى الله وعلم يراد لاتباع العثرات ومباهاة الخصوم ،وفلسفة الفلاسفة . فكيف لو رأى عصرنا ؟!!
[7] وكذا قال في زغل العلم عن شيخه ابن تيمية :فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوراً مضيئاً على محياه سيما السلفثم صار مظلماً مكسوفاً عليه قتمة عند خلائق من الناس ،ودجالاً أفاكاً كافراً عندأعدائه ،ومبتدعاً فاضلاً محققاً بارعاً عند طوائف من عقلاء الفضلاء وحامل راية الإسلاموحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عوام أصحابه هو ما أقول لك
[8]كان الإمام ابن تيمية يطيل الجدل والرد في مجلدات على مسائل بعضها محض اجتهاد ،ومن قرأ كتبه عرف حبه للجدل والمراء .حتى تشرب طبعه كثير من قراء كتبه.
[9]وهذا والله محض النصح من أقرب التلاميذ إلى شيخ يجله ويحبه.فأين مثل هذا التلميذ الناصح الشفوق فهو عزيز في زماننا لكنه العلم إذا صاحبته الخشية ؟!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية