البيان الساطع

بإشراف الشيخ :غيث الغالبي دينية ـ تحوي مسائل شرعية وردود علمية بإنــصاف وموضوعيـــــة

اتباع المتشابه بين القدرية ،والحلولية والجهوية (غيث الغالبي)

بسم الله الرحمن رحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . هذا بحثمختصر أذكر فيه بعض أثر الأخذ بظواهر النصوص المتشابهة في انحراف بعض الطوائف منأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد عرضت إلى ثلاث طوائف هم
:القدرية ،والحلولية ،والجهوية: ليرى الواقف على ذلك كيف يكون الضلال إذاأخذ الإنسان بنصوص المتشابه وترك المحكم المعارض لها من البراهين والأدلة القاطعة.

ولابد أن أذكر بعض الأصول المسلمات عند أهل القبلة قبل أن
ندخل في الأمثلة .
الأصل الأول: أن الله جل جلاله هو القديم بلاابتداء
كان لايوجد شيء معه فكل ماسواه حادث أحدثه الله تعالى .قال الله تعالى ((هو الأولوالأخر والظاهر والباطن)) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان الله ولا شيءمعه)).

الأصل الثاني:أن من أدق الصفات التي يميز بها بين القديم والحادث هو
أن القديم عزوجل لا يتغير ،بينما الحادثات تتغير فكل متغير حادث .وقد استدل نبيالله إبراهيم عليه السلام بأفول الشمس والقمر على عدم أولهيتها ((فلما أفلت قال لاأحب الآفلين) ولا معنى يستفاد من ذلك إلا أن التغير يدل على عدمكونها أرباباًحقيقة .ولا يعني ذلك أن المشاهد الذي لا يغيب يصح كونه رباً .فتبين أنه أراد معنى التغير الدال على الحدوث.

ولاشك أن
التغير لايكون إلا من حال نقص إلى كمال أو العكس وهذا يدل على الحدوث.فسبحان اللهالذي لايتغير ولا يتبدل .
الأصل الثالث:أن الله سبحانه وتعالى لايشبهه
شيء، والأشياء الحادثة: إما أنها غير مركبة وهي ما تسمى اصطلاحاً بالجوهر أو مركبةمؤلفة وهي ما تسمى بالأجسام ،أو أعراض تقوم بهذه الأجسام والجواهر كالألوان،والتغيرات والاضطربات الحركية ونحو ذلك ،فالله جل جلاله ليس بجوهر ولا جسم ولا عرضفلا يشبه شيء من هذه الأشياء.لأن الله سبحانه وتعالى يختلف اختلافاً تاماً من جميعالوجوه عن الحادثات.قال تعالى((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) وقال((ولم يكن لهكفوا أحد))وقال((هل تعلم له سمياً))أي شبيهاً.

الأصل الرابع:أن إثبات
العقيدة لا يكون إلا بالأدلة القطعية الثبوت والدلالة ،ويجوزبالأدلة الظنية الثبوتوالدلالة لكن بشرط ألا تخالف الأدلة القطعية فإن خالفت الأدلة القطعية فهي إما أدلةغير ثابتة الإسناد أو لمعناها تأويل على معنى صحيح يليق بالله تعالى ويتوافق معالأدلة القطعية ولا يخالفها.

الأصل الخامس:أن ماخالف الأدلة النقلية القاطعة
والأدلة العقلية القاطعة فهو من المتشابه الذي لا يجوز فهم معناه على الظاهرالمتبادر إلى بعض الأذهان.

الأصل السادس :أن كل نقص فهو منفي عن الله تعالى
.وكل كمال ليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه فنثبته لله تعالى.

إذا علمنا هذه الأصول فنشرع في عرض موضوع البحث وبالله
التوفيق.
أولاً :أخذ القدرية بظاهر النصوص في صفة العلم
:

هذه من
الضلالات التي وقع فيها المبتدعة من غلاة القدرية حيث قالوا أن بعض الأمور لايعلمهاالله سبحانه وتعالى إلا بعد وقوعها واستدلوا على ذلك بالنصوص التالية:

1
ـ
قوله تعالى في سورة البقرة { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبعالرسول ممن ينقلب على عقبيه } فأخذوا الآية بظاهرها وقالوا جعل الله القبلة لغرض أنيعلم من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه وتعالى لم يكن يعلم بهذا الشيءفيريد أن يعلم.

2
ـ وقوله تعالى { أفحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله
الذين جاهدوا منكم}

[
آل عمران : 142 ] قالوا لا يعلم من الذي من خلقه
سيجاهد ويصبر ليدخل الجنة!!

3
ـ وقوله تعالى{ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين
أحصى لما لبثوا أمدا}قالوا :هو يريد أن يبعثهم حتى يعلم مالم يكن يعلم من قبل!!!

4
ـ وقول الله تعالى { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم } قالوا:فهو
يبتليهم ليعلم مالم يكن يعلم سبحانه وتعالى عما يقولون.!!

5
ـ وقوله تعالى
((وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن هو منها في شك وربك علىكل شيء حفيظ ))سورة سبأ- آية 21 فقال القدرية:يريد الله أن يعلم من يؤمن بالأخرةلأنه لم يكن يعلم بذلك . سبحانه وتعالى عما يقولون.

6
ـ وقوله تعالى ((وما
اصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين)) سورة آل عمران آية166

قالوا يريد أن يعلم المؤمنين وهم الذين يثبتون في الجهاد لأنه لم يكن
يعلم.!!

7
ـ وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من
الصيد تناله ايديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابأليم))

المائدة آية 94 قالوا:لا يعلم من يخافه بالغيب إلا بعد هذا الابتلاء
كما هو نص الآية.!

8
ـ ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب
والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم اللهمن ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )) سورة الحديد

وهكذا فهم أخذوا
النصوص الواردة على ظاهرها ،فوقعوا في بدعة كفرية عظيمة.

وجواب أهل السنة والجماعة كان جواباً واضحاً صريحاً وهو: أن هذه الآيات
من المتشابه الذي لايؤخذ على ظاهره بل يأول تأويلاً صحيحاً لغة وشرعاً .ليدفع شبهةالقدرية الجفاة وذلك لايمكن إلا بتأويل الآيات على معنى صحيح يليق بالله تعالى .
فكان جواب أهل الحق والسنة عن هذه الآيات بالأجوبة
التالية:أولاً:أننا نقطع يقيناً بأن الجهل نقص عظيم والله سبحانه وتعالى لهالكمال المطلق وما ينبغي له سبحانه وتعالى النقص في ذاته ولا صفاته ومنها العلم،وهذا أصل قطعي وما ورد من الآيات التي توهم منها المبتدعة أن الله لايعلم بعضالأمور إلا بعد وقوعها مؤولة بمعاني أخرى لا تنافي كمال الله تعالى فلا يجوز أخذهذه النصوص على ظاهرها.

ثانياً: أن أدلة النقل الصحيحة وأدلة العقل القاطعة
تدل على أن الله تعالى قديم غير حادث وصفات الله ملازمة له فهي قديمة غير حادثةومنها العلم.

ثالثاً:أنه قد ورد في كتاب الله تعالى آيات محكمة تدل على
كمال الله تعالى المطلق وعلى أن علمه غير محدود فلا يترك النص المحكم من أجل النصالمتشابه لأن هذا طريق أهل الضلال كما قال الله تعالى ((فأما الذين في قلوبهم زيغفيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللهوالراسخون في العلم)).

وقد وردت نصوص محكمات تدل على أن الله قد علم كل
الأمور قبل وجودها فقال تعالى ((وهو بكل شيء عليم))

وقال تعالى ((يعلم ما
بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السمواتوالأرض))

وقال تعالى ((عالم الغيب والشهادة )) وقال تعالى ((يعلم مافي
السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون وهو عليم بذات الصدور )). وقال النبي صلىالله عليه وسلم((لما خلق الله القلم قال له اكتب فكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة))

رابعاً :إذا تحقق ما ذكرناه في النقاط السابقة فهذا سرد لبعض أقوال أهل
السنة في تأويل معاني هذه النصوص التي تعلق بها القدرية.

التأويل الأول:قال
الإمام ابن جريرالطبري في تفسير آية الكهف ( ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى) يقول:ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنينعددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدرمبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا أحصى لما لبثوا أمدا . انتهى كلام ابن جرير.وهو نفسالوجه الثاني من الوجوه التي ذكرها البيهقي في ما يأتي قريباً.

التأويل
الثاني: ما ذهب إليه جماعة من العلماء ومنهم الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذهالآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا ، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلمأيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله : { إلا لنعلم } إلالتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام : الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله: { وإنا أو إياكم لعلى هدى } [ سبأ : 24 ] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاللخطاب ورفقا بالمخاطب ، فكذا قوله : { إلا لنعلم } .وقد ذكر نحوه الإمام البيهقيفي الأسماء والصفات .حيث قال الإمام البيهقي بسنده إلى :يحيى بن زياد الفراء ، فيقوله عز وجل : {وما كان له عليهم من سلطان} أي حجة يضلهم به إلا أنا سلطناه عليهملنعلم من يؤمن بالآخرة قال : فإن قال قائل : إن الله خبرهم بتسليط إبليس وبغيرتسليطه قلت : مثل هذا في القرآن كثير.قال الله عز وجل : {ولنبلونكم حتى نعلمالمجاهدين منكم والصابرين} وهو يعلم المجاهدين والصابرين بغير ابتلاء ففيه وجهان: أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته شبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها وهي عالمة ،ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم : من ذلك أن يقول القائل : النار تحرق الحطب ، فيقولالجاهل : بل الحطب يحرق النار فيقول العالم : سنأتي بحطب ونار لنعلم أيهما يأكلصاحبه ، أو قال : أيهما يحرق صاحبه ، وهو عالم فهذا وجه بين والوجه الآخر أن يقول: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ، معناه حتى نعلم عندكم ، فكأن الفعل لهم فيالأصل ومثله مما يدلك عليه قوله : {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} أيعندكم يا كفرة ، ولم يقل عندكم وـ وإن كان ـ ذلك معناه ومثله : {ذق إنك أنت العزيزالكريم} أي ـ كريم ـ عند نفسك إذا كنت تقوله في دنياك ، ومثله قال الله لعيسى: {أأنت قلت للناس} وهو يعلم ما يقول وما يجيبه ، فرد عليه عيسى ، وعيسى يعلم أن اللهلا يحتاج إلى إجابته ، فكما صلح أن يسأل عما يعلم ويلتمس من عبده ونبيه الجواب ،فكذلك يشترط ما يعلم من فعل نفسه حتى كأنه عند الجاهل لا يعلم ، وحكى المزني عنالشافعي رضي الله عنه في قوله تعالى : {وما جعلنا القبلةالتي كنت عليها إلا لنعلممن يتبع الرسول} يقول : إلا لنعلم أن قد علمتم من يتبع الرسول ، وعلم الله تعالىكان قبل اتباعهم وبعده سواء وقال غيره : إلا لنعلم من يتبع الرسول بوقوع الاتباعمنه كما علمنا قبل ذلك أنه يتبعه. انتهى كلام الإمام البيهقي

التأويل
الثالث: تأويل بثمرة العلم وهو: التمييز فمعنى الآيات إلا لنميز هؤلاء من هؤلاءبانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومنيعادون ، فسمي التمييز علماً ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته.

التأويل
الثالث: { إلا لنعلم } معناه : إلا لنرى، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكانالرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد} [ الفجر : 6] أي ألم تعلم

وقوله تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ومعناه ألم
تعلم [ الفيل : 1]

إذن كلمت رأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة
.

التأويل الرابع : أي كما يقول الملك : فتحنا البلدة الفلانية بمعنى
: فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال : فتح عمر السواد رغم أن عمر لم يفتح ولم يحضر وإنماالفاتح هو جيشه والعرب تستعمل هذا في لغتهم والقرآن جاء بلغة العرب.فهذا أحدالتأويلات فلا تحمل الآية على ظاهرها بل تأول بما يليق بالله تعالى لأن حملها علىظاهرها كفر .ولذا كفر العلماء هؤلاء القدرية الجفاة.

فتلك بعض تأويلات أهل السنة رداً على القدرية ويجرى هذا التأويل في
جميع الآيات السابقة حسب الإمكان .
وفيه
فوائد:
1
ـ أن القدرية ضلوا لأخذهم بظواهر النصوص وتفسيرها بالمعنى
المتبادر إلى الذهن.

2
ـ أنه يجب صرف الآيات عن المعنى المتبادر إلى الأذهان
،وذلك لأن حملها على ظاهر المعنى لايليق بالله تعالى لأنه يقتضي نسبة النقص للهسبحانه وتعالى .وقد علم استحالة ذلك نقلاً وعقلاً.فكان الرجوع للنصوص المحكمة وتركالمتشابهة واجب محتم.

3
ـ أنهم عالجوا هذه الشبهات بالتأويل على معنى لآئق
بالله تعالى سائغ في لغة العرب.

المبحث الثاني:الحلولية


ممن ضل
بسبب الأخذ بالنصوص على ظاهرها ما يسمى بالحلولية فكانوا يعتقدون أن الله تعالى يحلفي مخلوقاته السفلية وقد استدلوا على هذه العقيدة بالنصوص التالية:

قول الله
تعالى ((ما يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍإِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَمَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)) فالثلاثة شيء مجتمع محسوس والرابع معهم إذاً فهيمعية حسية .وقوله تعالى ((وهو معكم إذ تبيتون مالايرضى من القول)) وقوله تعالى((وهو معكم أينما كنتم ))قالوا وكل هذا يدل على أنها معية حقيقية ،أي حسية.

وقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}فيحمل على الحقيقة وهي
المعية الحسية لأن الأصل في الكلام الحقيقة.
قوله تعالى {وناديناه من جانب
الطور الأيمن} وقوله تعالى {فلما أتاها نُودِيَ من شَاطِئِ الوادِ الأَيْمَنِ فيالبُقعَةِ المُبَارَكِةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله ربُّالعالمين} قالوا ظاهر الآية إثبات وجود ذات الله في الأرض في وادي طوى عند الشجرة.
.!!
وقوله سبحانه وتعالى: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}ق:16]،

فقالوا:حبل
الوريد محسوس في جسم الإنسان وقربه قرب حسي فالله كذلك يقول أنه أقرب منه فهو قربحسي وإن لم نشاهده قالوا لأننا نصدق الله تعالى فيما أخبر.!!
وقوله تبارك
وتعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاتُبْصِرُونَ}

قالوا:فالله يخبرنا أنه أقرب إلى الميت منا ووجودنا عند الميت
محسوس فهذا يعني أنه قرب حسي ولكن المانع من رؤيتنا لله تعالى هو عدم إبصارنا لهعند تواجده ،وعدم إمكان رؤيته بيننا لا يدل على عدم وجوده بيننا ،كما أن أهل الملةيؤمنون بوجود الملائكة بيننا وإن كنا لانراهم.!!!

وقوله تعالى ((والذين
كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد اللهعنده فوافه حسابه )) فهي عندية مكانية وهي وجود الله عند ذاك المكان.!!!

واستدلوا بالأحاديث الدالة على ماذهبوا إليه من ضلالة فمنها
:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد
))رواه مسلم وقوله صلى الله عليه وسلم ((أربعوا على أنفسكم إنكم لاتدعون أصماًولاغائباً إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) فظاهر الحديث يدل علىالقرب الحسي لأن عنق الراحلة شيء حسي والله أقرب منه .واستدلوا بقوله صلى الله عليهوسلم في المصلي (إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عنيساره أو تحت قدميه)) خرجه البخاري برقم (450)

كل هذه النصوص جعلت
الحلولية يعتقدون بحلول الله في الأماكن والجهات السفلية مع مخلوقاته.

الرد عليهم
:هذه النصوص لايجوز أخذها على ظاهرهاللأدلة النقلية والعقلية الدالة على ذلك:

منها :أولاً:استحالة حلول الله
تعالى في مخلوقاته لأنه نقص ينزه الله تعالى عنه.

ثانياً: أن هذه النصوص
من المتشابه ولا يجوز الأخذ بالمتشابه في تقرير العقائد القطعية ،وقد تقررقطعاً أنالله تعالى منزه عن كل نقص ،وأن الله تعالى له الكمال المطلق ،وأنه لا يشبهه شيء منمخلوقاته كما قال تعالى ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) وقال تعالى ((هل تعلمله سميا) أي يساميه في ذاته وصفاته وقال تعالى ((ولم يكن له كفوا أحد))

وإذا
قيل بحلول الله تعالى في خلقه فهذا يعني أنه محدود والمحدود جسم له أبعاد بلا ريب،أو أنه وصف يتصف به جسم من الأجسام وهو ما يسمى بالعرض وعلى كلا الاحتمالين فإنهيؤدي إلى أن الخالق سبحانه وتعالى يشبه مخلوقاته ولو من وجه من الوجوه وهذا نقصعظيم ومناقض للنصوص المبيّنة لكون الله تعالى ليس له ند ،ولا مثيل ،ولا سمي يساميهفي ذاته وصفاته ،ولا كفأ له سبحانه جل شأنه.

ثالثاً:نعلم قطعاً أن الله
تعالى موجود قبل خلق هذا العالم وأنه قديم أزلي وأن من أخص خصائصه أنه لايتغير ولايتبدل ،لأنه إما أن يتغير من نقص إلى كمال ،أو من كمال إلى نقص والنقص لايجوز علىالله تعالى قطعاً وحلوله في مخلوقاته يدل على أنه يتغير سبحانه وتعالى عن ذلك.

رابعاً:أن تأويل هذه النصوص ممكن بلاريب فلا يجوز التمسك بمعناها الظاهر
بل لها تأويل يليق بالله تعالى وهو سائغ في لغة العرب.

فهو مع خلقه بعلمه
وحفظه لهم وليس المقصود معية حسية.

واما المقصود بقوله تعالى ((فلولا إذا
بلغت الحلقوم ،وأنتم حينئذ تنظرون ،ونحن أقرب إليه منكم ولكن لاتبصرون ))فهو قربملائكته وهو قرب حسي لقبض الروح وليس هو قرب الله تعالى كما قد يتبادر لبعضالأذهان.

واما قول الله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}ق:16]

قال ابن جرير في
تفسير هذه الآية : وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله( ونحن أقرب إليه من حبلالوريد ) فقال بعضهم: معناه: نحن أملك به، وأقرب إليه في المقدرة عليه.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم بما توسوس بهنفسه.انتهى فهو قرب بعلمه لابذاته.

وقال الإمام الرازي:ـ هو ـ بيان لكمال
علمه ، والوريد العرق الذي هو مجرى الدم يجري فيه ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدنوالله أقرب من ذلك بعلمه ، لأن العرق تحجبه أجزاء اللحم ويخفى عنه ، وعلم اللهتعالى لا يحجب عنه شيء.

وقال الإمام ابن جماعة :إذا ثبت تنزيه الرب تعالى عن
الحيز والجهة والقرب الحسي والبعد العرفي وجب تأويل ذلك على ما يليق بجلاله وهو قربعلمه ورحمته ولطفه ويؤيده قوله تعالى ((إن رحمت الله قريب من المحسنين)) أو قربالمنزلة عنده كما يقال السلطان قريب من فلان إذا كانت له عنده منزلة رفيعة ،والسيدقريب من غلمانه إذا كان يتنازل معهم في مخاطبتهم وملاطفتهم وليس المراد ههنا قربمسافة ولا مكان وإذا كان ذلك مستعملا في لسان العرب والعرف وجب حمله عليه لاستحالةظاهر المسافة في حق الرب تعالى.انتهى وهذه النصوص قد سيقت في بعض مواردها مقرونةبالعلم فعلم أن المعية معية العلم لا المعية الحقيقية بالحس.قال الله تعالى ((ألمتر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم،ولاخمسة إلا هو سادسهم ..))المجادلة آية 7 .فإن الآية تتكلم عن العلم فيجب حملالمعية هنا على العلم فهو معنا بعلمه لابذاته ،وعليه تحمل النصوص الأخرى حسبالإمكان ،فإن لم يمكن حمل الأخرى على العلم فتأول بما يناسب موردها.

وقد يقول قائل :إن أمكن تأويل بعض ما استدلوا به من نصوص على الحلول في
الأمكنة فلا يمكن تأويل كل ما استدلوا بها إلا بتعسف .!
فنقول:كل نص لا
يمكن تأويله فإنه يقطع بأنه ليس معناه حلول الله في مخلوقاته ثم نترك ما لايمكنتفسيره إلى الله تعالى ونترك الخوض في المتشابهات لأنه أسلم وأفضل ولأن الأدلةالقاطعة قد دلت أن الله موجود قبل كل شيء ولا يتغير ولا يتبدل ولا يشابه خلقه ولذافلا يتصف بالجسمية ولا يحصره شيء سبحانه وتعالى ولا يحويه مكان ولا غيره.

وقد اعترض على الحلولية بأنه يلزم من قولهم بالحلول في
المخلوقات أن يخالط سبحانه وتعالى النجاسات .!
ولكن قد يمكن للحلولية أن
يحتجوا :بأنه ليس فيما ذهبوا إليه من أدلة ذكر للنجاسات بل هو منزه سبحانه عن ذلكولذا فالمسلمون يؤمنون بوجود الملائكة معنا ونحن لا نراهم ،ولا يعني ذلك أنهميخالطون النجاسات فكما أن معية الملائكة الحسية لا يلزم منها مخالطة النجاسة فكذلكمعية الله الحسية بذاته لا يلزم منها مخالطة النجاسة سبحانه وتعالى عنذلك.!

وجواب أهل السنة الذي لايمكن أن يدفعه الحلولية
:بجوابين:الأول : هو أن في اعتقاد المعية الحقيقة الحسية تجسيم صريح وهذاضلال مبين لأنه تشبيه للخالق بالمخلوق ،وخلط بين صفات القديم والحادث.

الثاني:أن دعوى حلول الله في مخلوقاته حلولاً يليق بجلاله كما يقول
الحلولية يفيد أن الله متغير وأن وجود المخلوقات أثر على خالقها فتغير من حال إلىحال فلا فرق بين الخالق والمخلوق مادام أنه يتغير كما يقول الحلولية لأن كل متغيرحادث فصار القديم كالحادث في صفاته وخصائصه.فأي شناعة أعظم منقوم لا يفرقون بين القديم والحادث فاختلطت عليهم خصائص الخالقبالمخلوق.

 

المبحث الثالث:بدعة الجهوية :
وهم
القائلون بحلول الله تعالى في جهة من مخلوقاته وحدّدوها بأنها جهة فوق.

وقد أسس هذا الفهم عبدالله بن كرام رأس الفرقة الكرامية
،وتجد الكلام عنهم مبسوطاً في كتاب الملل والنحل للإمام الشهرستاني وكتابالفرق بين الفرق للإمام البغدادي وكذا كتاب التبصير في الدين للاسفراييني رحمهمالله جميعاً.ثم تأثر بها آحاد من الناس بعد الكرامية إلى يومنا هذا فكانت تشيعأقوالهم في بعض العصور ثم يجّلي العلماء شبههم ويفندوها فتندحر بإذن الله تعالى
وقد استدلوا على بدعتهم بفهمهم لظاهر بعض النصوص المتشابهة
:
فمنها قوله
تعالى ((الرحمن على العرش استوى )) قالوا والعرش فوق السموات والاستواء معناهاستقرار الله تعالى واعتلاءه فوق هذا العرش الذي خلقه.

بل قال بعضهم :إن
الله جالس في هذا العرش جلوساً يليق به .!سبحانه وتعالى عما يقولون.

واستدلوا بقوله تعالى ((سبح اسم ربك
الأعلى )) قالوا هو علو حسي حقيقي فيالجهة .وقوله تعالى (( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض . ثم يعرج إليه )) وقولهتعالى ((تعرج الملائكة والروح إليه )) فدل أن الملائكة يعرجون حتى يصلون إلى جهةيوجد الله فيها ،لأن حرف إلى يفيد ابتداء من شيء وهو مكان تواجد الملائكة وانتهاءإلى غاية وهو جهة يكون الله فيها .سبحانه وتعالى عما يقولون.

وقوله تعالى
(( أم أمنتم من في السماء)) قالوا فالله تعالى يوجد في السماء ،وفي تأتي بمعنى على،فهو على السماء.

وقوله تعالى (( بل رفعه الله إليه )) قالوا فالله تعالى
رفع عيسى عليه السلام إليه فدل على أن الله في جهة معيّنة فرفع عيسى إليه.

وأيضاً تمسكوا بالأدلة التي فيها النزول ومنه قول النبي صلى الله عليه
وسلم ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ثلث الليل الأخر فيقول هل من مستغفر فأغفر له..))فدل أنه نزل من مكان إلى مكان أخر وهو السماء الدنيا وفهموا أنه نزول حسيبانتقال حتى أنهم اختلفوا بينهم هل يخلو منه العرش إذا نزل أم لايخلوا!!فبفهمهموعقولهم أدخلوه جل جلاله في عرشه المخلوق ثم اختلفوا في خلو ذلك المخلوق منه سبحانهوتعالى عما يقولون.!

فكان جواب أهل السنة على هذه الأدلة
بالأجوبة التالية:أولاً: استحالة حلول الله تعالى في مخلوقاته لأنه نقصينزه الله تعالى عنه .وهذا أمر مقطوع به.

ثانياً: أن هذا النصوص من
المتشابه ولا يجوز الأخذ بالمتشابه في تقرير العقائد القطعية ،وقد تقررقطعاً أنالله تعالى منزه عن كل نقص ،وأن الله تعالى له الكمال المطلق ،وأنه لا يشبهه شيء منمخلوقاته كما قال تعالى ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) وقال تعالى ((هل تعلمله سميا) أي يساميه في ذاته وصفاته وقال تعالى ((ولم يكن له كفوا أحد))

وإذا
قيل بحلول الله تعالى في جهة فهذا يعني أنه محدود والمحدود جسم بلا ريب وهو يؤديإلى أن الخالق سبحانه وتعالى يشبه مخلوقاته وأن له أبعاد محدودة وأن العرش المخلوقيحد الله تعالىوقد قرر ذلك بعضهم فقال الشيخ تقي الدين بن تيميةغفر الله له في تقريره لكون الله محدود سبحانه وتعالى :فقال حاكياً عن القاضي أبييعلى أن الله محدود من جهة ثم قرر أن الله محدود من جميع الجهات فقال مانصه:ثم قال (أي القاضي)ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد علىاختلاف حالتين فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه أن ما حاذى العرش من ذاتههو حد له وجهة له ، والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدى الجهةالمحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام واليمنة واليسرة ، وكان الفرق بين جهةالتحت المحاذية للعرش وبين غيرها مما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت منالدليل ،والعرش محدود فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة ،وليس كذلك فيماعداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة واليسرة والفوق والأمام والخلفإلى غير غاية فلذلك لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة.
وجهة العرش تحاذي ما
قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها.
قلت (أي ابن تيمية
):هذا الذي جمع به بين كلامي أحمد وأثبت الحد والجهة من ناحية العرش والتحت دونالجهات الخمس يخالف ما فسر به كلام أحمد أولاً من التفسير المطابق لصريح ألفاظه حيثقال فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو الذي يعلمه خلقه والموضع الذي أطلقهمحمول على معنيين أحدهما يقال على جهة مخصوصة وليس هو ذاهباً في الجهات بل هو خارجالعالم متميز عن خلقه ،منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات وهذا معنى قول أحمد حدّ لايعلمه إلا هو والثاني أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز فهو تعالى فرد واحدممتنع عن الاشتراك له في أخص صفاته قال منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع منكتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرناه فهذا القول الوسط من أقوال القاضيالثلاثة هو المطابق لكلام أحمد وغيره من الأئمة وقد قال إنه تعالى في جهة مخصوصةوليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل فيكل الجهات وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه إلا هو ولو كان مراد أحمد رحمه الله الحدمن جهة العرش فقط لكان ذلك معلوماً لعباده فإنهم قد عرفوا أن حده من هذه الجهة هوالعرش ،فعُلم أن الحد الذي لا يعلمونه مطلق لا يختص بجهة العرش.انتهى!!بيان تلبيسالجهمية (1/437)

وسأشرح الكلام الذي قاله الشيخ تقي الدين
ابن تيمية غفر الله له:القاضي كما يقول ابن تيمية يرى أن الله محدود من جهةواحدة وهي التحت حيث أن العرش يحد الله من هذه الجهة.!واما بقية الجهات وهي خمسةجهات وهي الفوق والخلف والأمام واليمنة واليسرة فهذه غير محدودة.!
فالقاضي كما
يحكي الإمام ابن تيمية أصدر حكماً يثبت فيه الحد من جهة التحت وحكماً أخر ينفي فيهبقية الحدود من اليمين واليسار والفوق والأمام والخلف!

والإمام ابن تيمية يؤيد القاضي على وجود الحد من جهة التحت وهذا حد
معلوم لكل أحد كما يقول الإمام ابن تيمية!.
لكنه يخالف القاضي في الجهات الأخرى
لأن لله حد مطلق معلوم لله وليس للبشر.!! فأثبت الحد لله تعالى من الجهات الأخرىوإن كان لايعلمه إلا الله.فصار الله تعالى عند ابن تيمية محدوداً من جميع الجهاتسبحانه عن ذلك.!وهذا نقص عظيم ومناقض للنصوص المبينة لكون الله تعالى ليسله ند ، ولا سمي يساميه في ذاته وصفاته ،ولا كفأ له سبحانه جل شأنه.ولا شبيه له.ومن قرر أن الله محدود بشيء فقد أقر أن الله سبحانه له أبعاد متناهية سواء كانمتناهيهاً من جهة واحدة فقط كما ينسب الإمام ابن تيمية للقاضي أو من الجهات الستكلها كما قرر ابن تيمية.

ثالثاً:نعلم قطعاً أن الله تعالى موجود قبل خلق
هذا العالم وأنه قديم أزلي وأن من أخص خصائصه أنه لايتغير ولا يتبدل ،لأن التغير منأظهر العلامات الدالة على الحدوث ،ثم إن المتغير إما أن يتغير من نقص إلى كمال ،أومن كمال إلى نقص. والنقص لايجوز على الله تعالى قطعاً وحلوله في المخلوقات يدل علىأنه يتغير سبحانه وتعالى عن ذلك.

رابعاً:أن كل رد يرد به الجهوية على
الحلولية القائلون بحلوله تعالى في الأمكنة سيرد به على الجهوية القائلون بأنه فيجهة من العالم .فإنه لايحل في الأرض لكونه غير جسم ،ولامحدود،ولا محصور فكذلك لايحلفي الجهة لأن ليس بجسم ولا محدود ولا محصور.

خامساً: كما أن للأدلة الشرعية
التي استدل بها القدرية تأويل ممكن بلاريب فلا يجوز حمل معناه على حدوث علم اللهتعالى ،وكذلك الأدلة التي استدل بها الحلولية على حلول الله في الأمكنة لها تأويلممكن فكذلك النصوص التي استدل بها الجهوية لها تأويل ممكن ، وكل نص لا يمكن تأويلهفإنه يقطع بأنه ليس معناه حلول الله في الجهة ثم نترك ما لايمكن تفسيره إلى اللهتعالى ونترك الخوض في المتشابهات لأنه أسلم وأفضل .

سادساً:هذه الأدلة التي تمسكوا بهافي إثبات حلول الله في الجهة لها تأويل يليق بالله تعالى وهو سائغ في لغة العرب.
1
ـ فأما آيات الاستواء:فقد سيقت في بعض مواردها مقرونة بذكر أفعال الله تعالى
في مخلوقاته.كما وجدنا أن نصوص المعية الحسية سيقت في بعض مواردها مقرونة بالعلمفكما حملنا معنى المعية على العلم لوروده في بعض النصوص فكذلك نحمل معنى لاستواءعلى فعل فعله الله في العرش لا في ذاته جل جلاله.

وإن مما يدل على أن
الاستواء صفة فعل ،لا صفة ذات هو أن ثم للتراخي ، والتراخي إنما يكون في الأفعالولاشك أنه يقصد في قول الله تعالى {رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِوَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِياللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَمُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّالْعَالَمِينَ } فهي كلها أفعال خلق واستوى وأغشى .هي أفعال فعلها الله تعالى فيمخلوقاته لافي ذاته سبحانه وتعالى .وكما قلنا في صفة المعية أنها معية العلم لأنهورد في بعض الآيات الدالة على أن المقصود هو معية العلم لا المعية الحسية بالذاتفكذلك الاستواء ورد في آيات يدل على أنه فعل فعله الله تعالى في العرش يسمى استواءوليس معناه أن الله جلس على العرش أو استقر عليه كما يفهم المخالفون لأهل السنة.

وسيقت بعض آيات الاستواء لبيان الملك التام لله وحده فقال تعالى ((تنزيلاً
ممن خلق الأرض والسموات العلى .الرحمن على العرش استوى .له مافي السموات وما فيالأرض وما بينهما وما تحت الثرى ))فهو ساق الآية لبيان كمال قدرته وتمام ملكه علىجميع الأشياء صغيرها وكبيرها ومنها العرش ولا شك أن ما على على شيء فهو سماء لهوكلها تحت قهره وتصرفه جل جلاله وهو الخالق المالك لها ،وليس المراد أنه حل فيالعرش أو جلس عليه كما يقول المخالفون.فتأمل كيف فهموا الاستواءبمعزل عن سياق وسباق الآيات التي سيق فيها وبمعزل عن القرائن الدالة على خلاف مافهموه ،كما أن الحلولية فهموا المعية بمعزل عن القرائن الدالة على صرف الآيات عنالمعية الحسية إلى المعية المعنوية فهي معية علم لاذات ،وكذلك هنا هو علو قهر وقدرةوسلطان لا علو حسي كما يدّعون .
وإنه سبحانه وتعالى لو حصل في العرش ،
كان له طرف ونهاية وزيادة ونقصان . وكل ذلك على الله تعالى محال .وأما سبب تخصيصالعرش بالذكرمن بين المخلوقات . فذلك لأنه أعظم المخلوقات ، فخص بالذكر لهذا السبب، كما أنه خصه بالذكر في قوله : » هو رب العرش العظيم « لهذا المعنى. فهو دال علىأن مادونه أهون وإن كان كل شيء عليه هين جل جلاله.

2
ـ أما الذي ذكروه ثانياً
وهو التمسك بالآيات المشتملة على ذكر الفوقية . فجوابه : أن لفظ الفوق (يستعمل) فيالرتبة والقدرة . فقد قال الله تعالى : } وفوق كل ذي علم عليم }وقال تعالى{ وإنافوقهم قاهرون { { يد الله فوق أيديهم «والمراد بالفوقية في هذه الآيات : الفوقيةبالقهر والقدرة والذي يدل على أن المراد بلفظ الفوق ههنا : الفوق بالقدرة والمكنةأنه قال : » وهو القاهر فوق عباده « والفوقية المقرونة بالقهر ، هي الفوقية بالقدرةوالمكنة، لا بمعنى الجهة.

ثم إن الفوقية الحاصلة بسبب الجهة ، ليست صفة
المدح ، لأن تلك الفوقية حاصلة للجهة والحيز بعينها وذاتها ، وحاصلة للمتكن في ذلكالحيز بسبب ذلك الحيز فكأن الله تعالى اكتسب الكمال بسبب تحيزه في الجهة وهذا باطلبلا ريب لأن المولى تبارك وتعالى كماله من ذاته لا من تحيزه في مخلوقاته.

فثبت : أن الكمال والفضيلة إنما يحصلان بسبب الفوقية ، بمعنى القدرة
والسلطنة فكان حمل الآية عليه أولى.

3
ـ وأما قوله تعالى : » تعرج الملائكة
والروح إليه « فنقول : ليس المراد من حرف "إلى" في قوله "إليه" : المكان . بلالمراد : انتهاء الأمور إلى مراده . ونظيره : قوله تعالى : » وإليه يرجع الأمر كله« و كقول إبراهيم عليه السلام : » إني ذاهب إلى ربي سيهدين « حين هاجر بدينه عنبلاد قومه .وليس المقصود به وجود الله في مكان حسي يذهب إليه إبراهيم عليه السلام،فكذلك يقال هنا.

4
ـ واما تمسكهم بقوله تعالى : » أم أمنتم من في السماء
«

فليس في الآية أن الله في السماء بل قد يكون المراد ملك من جنوده كما ثبت
أن جبريل عليه السلام خسف بقوم لوط بعد أن رفعهم إلى السماء ولما لم يكن في الآيةتصريح بأن الله هو الذي في السماء لم يكن لكلامه وجه في استنباط ذلك ،بل إنما فهمواذلك من قوله ((أن يخسف بكم الأرض))وهو ليس بدليل قاطع على ما فهموه لأن جنود اللهأيضاً قادرون على أن يخسفوا بهم الأرض إذا أراد الله تعالى فلما لم يكن في الآيةتحديد للمراد كان لاوجه للفهم الذي حملوها عليه وكان فهمهم اتباعاً للمتشابه وتركللقطعيات.

واما حديث الجارية فقد ورد بلفظ أخر وهو قوله ((أتشهدين أن لا إله
إلا الله ))وحمله على هذا اللفظ أولى من حمله على لفظ اين الله ؟لأن المعتاد في منيختبر بدخول الإسلام أن يمتحن بالشهادتين لا بلفظ اين الله ؟

بل على فرض عدم
اضطراب حديث الجارية فإنه يمكن تأويله بمعنى اين الله مكانة وقدراً ،لا بمعنى حلولهأو تحيزه في جهة كما يفهم المخالفون لأهل السنة.

كما أن بعض أهل السنة
جزاهم الله عن الأمة خيراً قد بين الجواب الموفق لمثل هذا السؤال بأين الله .فقدروى عبد الرزاق بن همام الصنعاني في تفسير ((وإذا سألك عبادي عني ..)) قال : ناجعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبيفقالوا : أين ربنا؟ فأنزل الله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعيإذا دعان) الآية.وهذا الإسناد الصحيح يحتج به في هذا المقام فالسائل هم الصحابةوالمجيب هوالله جل جلاله.

ولا يقال إن الحسن البصري يروي المراسيل ،لأن
الإسناد متصل يرويه الحسن عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس من المرسل .

أخيراً:فقد رأينا كتب علماء السنة التي شرحوا بها صحيح كتبالحديث الستة كشروح صحيح البخاري ومسلم ،وسنن أبي داود ،والنسائي ،وجامع الترمذي،وسنن ابن ماجة فوجدناهم اتفقوا على أن الله لايحل في الجهات.

كما وجدناهم
صرفوا نصوص حدوث العلم عن ظاهرها وصرفوا نصوص حلول الله في الأرض عن ظاهرها ،وكذلكصرفوا نصوص توهم وجود الله في الجهة عن ظاهرها.

والقاعدة في ذلك أننا آمنا
بوجود شيء هو المؤثر في العالم كله إيجاداً وإمداداً ولا يتأثر بشيء وهو غني عنمخلوقاته ولا يشبها فلا يتغير ولا بتبدل فكل متغير حادث .فكل ما ورد من فهم للنصوصعلى خلاف هذه القاعدة فهذا الفهم مردود على صاحبه.

وعلمنا أن المخلوقات
أجسام لها حدود ،وأيقنا أن الله ليس مثلها فهو ليس بجسم . ومن زعم أن العرش يحدالله تعالى بل وزعم أنه محدود بحدود أخرى لانعلمها فهو غلط واضح لا ينكره عاقل. ولذا تجدوا بعض من تبنى معتقد الجهة قد التزم أغلاطاً شنيعة وسأذكر بعض الأمثلة:

مسألة النزول
جاء في شرح الطحاوية لابن أبي العزالحنفى ـ وهو من الكتب المعتمدة عند من يعتقد الجهة ـ في 1/280 ما نصه:
الثاني
عشر : التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنمايكون من علو إلى سفل.!!!
وجاء في مجموع الفتاوى للإمام ابن تيمية 4/348

قال
نزل العسكر بأرض كذا ونزل القفل بأرض كذا لنزولهم عن الدواب ولفظ النزول كلفظالهبوط فلا يستعمل هبط الا اذا كان من علو الى سفل....انتهى
وقال أيضاً فى مجموع
الفتاوى الجزء 12 صـــــــ257
قد تبين أنه ليس فى القرآن ولا فى السنة لفظ نزول
إلا وفيه معنى النزول المعروف وهذا هو اللائق بالقرآن فإنه نزل بلغة العرب ولاتعرفالعرب نزولا إلا بهذاالمعنى ولو أريد غير هذاالمعنى لكان خطاباً بغير لغتها ثم هواستعمال اللفظ المعروف له معنى فى معنى آخر بلا بيان وهذا لا يجوز بما ذكرنا وبهذايحصل مقصود القرآن واللغة الذى أخبر الله تعالى أنه بينه وجعله هدى للناس وليكن هذاآخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماكثيرا.....انتهى
فانظر إلى قوله :ولاتعرف العرب نزولاً إلا بهذاالمعنى !يقصد
النزول الحسي من علو إلى سفل.
وجاء في أعلام الموقعين لابن القيم
2/301
الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا والنزول المعقول
عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل.....انتهى
بل قال الشيخ ابن القيم
ماهو أشد شناعة حيث جاء في حاشية ابن القيم 13/29
أنه إله أهل الأرض وإله أهل
السماء
وقد جاءت الأخبار أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة
فكيف يكون فيها وهو ينزل إليها....انتهى

بينما أهل السنة يتأولون أحاديث
النزول بما يليق بالله تعالى فإن حملها على ظاهرها لا يقره العقل ولا النقل بل هومخالف للقطعيات:
فمن يعتقد حلول الله في الجهة يقول:أن الله تعالى ينزل بذاته
نزولاً يليق به سبحانه وتعالى كما أن الحلولية تقول هو معنا بذاته معية تليق بجلالهويقول الجهوية أنه جل جلاله في جهة فوق العرش.!

فإذا
تأملنا في كلامهم وجدناه ينقض بعضه بعضاً فإذا كانوا يقولون :ينزل بذاته إلى السماءالدنيا في وقت محدد وهو ثلث الليل الأخر وعلمنا قطعاً أن ثلث الليل الأخر مستمر علىأجزاء الكرة الأرضية في جميع الأوقات فيلزم منه أن الله تعالى في السماء الدنيادائماً .وهذا ينقض دعواهم أنه في جهة فوق العرش .فأي (عاقل مكلف ) يقبل هذا الكلامالمتناقض؟!واما من جهة النقل :فقد روى النسائي في سننه الكبرى :بسنده إلىمسلم الأغر قال سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهما يقولان قال رسولالله صلى الله عليه وسلم :"إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياًينادي ويقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى " صححهالحافظ أبو محمد عبدالحق و ممن ذكر ذلك الإمام القرطبي في تفسيره (19 – 35)

ويؤيده الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
((تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد : هل من داع فيستجاب له ؟ هل من سائلفيعطى ؟ هل من مكروب فيفرج عنه ؟ فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله تعالىله إلا زانية تسعى بفرجها أو عشار ))رواه حمد والنسائي فالنازل إلى السماء الدنياهو مخلوق من مخلوقات الله تعالى وهو ملك من الملائكة يأمره الله تعالى بذلك ، ويصحفي استعمالات العرب ولغتهم أن ينسب الفعل إلى الآمر به فتقول العرب مثلاً : فتحالخليفة بلاد كذا وكذا ،ونادى الخليفة الناس إلى الجهاد مع أنه لم يفارق مكانه ولاناداهم بل الذي فتح البلاد هم الجيش والذي نادى هم رسله.

ولذا تجد الناس
يقولون (الملك نادى في الرعية) مع أن المنفذ لذلك النداء هم خدمه ونوابه .ولذافأحاديث هل من مستغفر فأغفر له المنفذ للنزول والنداء هم الملائكة عليهم السلام كماتدل عليه الأحاديث ويؤيده العقل ولغة العرب وتصرفاتهم.
ولايعكر عليه ماجاء بلفظ عبادي أتوني شعثاً غبراً لأنه الملائكة يحكون
كلام الله ولا يعني أن الملائكة هم الذين يدّعون أن الناس عباد لهم .ألا ترى أنالقارىء يقرأ في القرآن ((وأنا ربكم فاعبدون )) وكل عاقل يعلم أن القارىء إنما يقرأكلام الله وليس يزعم أنه هو الله سبحانه وتعالى .قال الحافظ ابن حجر في شرحالبخاري: قال ابن العربي: حكي عن المبتدعة ‏ردّ هذه الأحاديث, وعن السلف إمرارها, وعن قوم تأويلها وبه أقول. فأما ‏قوله:{ ينزل} فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته, بلذلك عبارة عن مَلَكِهِ الذي ‏ينزل بأمره ونهيه, والنزول كما يكون في الأجسام يكونفي المعاني, فإن حملته في ‏الحديث على الحسي فتلك صفة المَلَك المبعوث بذلك, وإنحملته على المعنوي بمعنى أنه لم ‏يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة, فهي عربية صحيحة انتهى. ‏والحاصل أنه تأوّله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أوالمَلَك بأمره, وإما بأنه ‏استعارة بمعنى التلطّف بالداعين والإجابة لهم ونحوه. انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

وصدق الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى
حيث قال: في فتح الباري(6/136) (و لايلزم من كون جهتي العلو و السفل محال على اللهأن لايوصف ـ بالعلو ـ لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى و المستحيل كون ذلك من جهةالحس)اهـ

أي أن الله يوصف بالعلو المعنوي وهو علو القدر والقهر والسلطة لا
بمعنى العلو الحسي وهو كونه في جهة من الجهات فالجهة العلوية والسفلية مستحيلة فيحق الكامل جل جلاله.

وقد جاء في تفسير الإمام ابن جرير الطبري 1/192 عند
تأويل قوله تعالى:{ثم استوى إلى السماء}ما نصه(والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم منكلام العرب في تأويل قول الله:{ثم استوى إلى السماء}الذي هو بمعنى العلو والارتفاعهربا من عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أن يكون إنماعلا و ارتفع بعد أن كان تحتها إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر,ثم لم ينجمما هرب منه ,فيقال له زعمت أن تأويل قوله (استوى):أقبل,أفكان مدبرا عن السماءفأقبل إليها ؟فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير,قيل له :فكذلكفقل:علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال) انتهى كلام ابن جرير.فاتضح بهذاأن السلف كانوا يؤولون الاستواء بعلو الملك والسلطان والقهر وهوعلو رتبة (معنوي) لاحقيقي بذاته تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

إذن لأهل
السنة في المسألة مسلكان:المسلك الأول : الإيمان بنصوص النزول والعلو معتنزيه الله تعالى عن خصائص المخلوقات من حلول في جهة أو مكان أو نزول انتقال ونحوذلك من خصائص الأجسام ثم السكوت عن تأويل وبيان معنى النزول والعلو .وهذا يكفي فيذلك كما فعل الإمام مالك وغيره من السلف.

المسلك الثاني: الإيمان بنصوص
النزول والعلو مع تنزيه الله تعالى عن خصائص المخلوقات من حلول في جهة أو مكان أونزول انتقال ونحو ذلك من خصائص الأجسام مع تأويل وبيان معنى النزول والعلو حسبقواعد اللغة العربية والنصوص الشرعية التي يقبلها العقل ويؤيدها النقل كما فعلالكثير من علماء الأمة من شراح الصحيحين والسنن والمسانيد.

ومن النقول في المسألة عن أهل السنة والجماعة
:قال الله تعالى{ليس كمثله شىء} [سورة الشورى/11] فلو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد وطول وعرضوعمق ومن كان كذلك كان محدَثًا محتاجًا لمن حدَّه بهذا الطول وبهذا العرض وبهذاالعمق، هذا الدليل من القرءان.

أما من الحديث فقال الحافظ البيهقي في كتابه
الأسماء والصفات: استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى اللهعليه وسلم :"أنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء" وإذا لم يكن فوقهشىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان اهـ.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين أنه
ليس فوق الله شيء ولا دونه شيء والجهوية هداهم الله يعتقدون أن له جهات وأنها تحدهبما يعلمون من مخلوقاته وهو العرش وبما لايعلمون فسبحان الله عما يقولون.ومارواهالبخاري وابن الجارود والبيهقي بالإسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: "كان الله ولم يكن شىء غيره" ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معهغيره لا ماء ولا هواء ولا أرض ولا سماء ولا كرسيّ ولا عرش ولا إنس ولا جن ولاملائكة ولا زمان ولا مكان، فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان، وهو الذى خلقالمكان فكيف يحل في مخلوقاته وكيف تحده مخلوقاته ؟!! .

وقال الإمام أبو جعفر
الطحاوى المولود سنة 227هـ فى عقيدته عقيدة أهل السنّة والجماعة: "تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الستّ كسائرالمبتدعات".
وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني المولود سنة419هـ رحمه الله
تعالى في كتابه الإرشاد: "مذهب أهل الحق قاطبة أن الله يتعالى عن التحيز والتخصصبالجهات" اهـ.

وفي الختام أسأل الله العظيم أن ينفع بهذا المكتوب وأن يجعله
ذخراً عنده وأن يهدينا ويهدي بنا إلى صراطه المستقيم . والله أعلم وصلى الله وسلمعلى نبينا محمد وآله وصحبه.

وكتبه:غيث بن عبدالله الغالبي

 



أضف تعليقا

عبد الله من المغرب
28 ذو القعدة, 1429 09:44 م
اخي العزيز غيث بارك الله فيك فأنت غيث كاسمك لقد سمعتمن الجهوية -كما سميتهم-بسبب تنزيهي الله تعالى عن الحدود والتحيز والاجزاء والمكان وقد اعجبني ما كتبت ومستعد لأن أخدم معك مدونتك هذه إعانة لك على البر والتقوى كما أمرنا الله تعالى